عبد الكريم الخطيب

968

التفسير القرآنى للقرآن

وهذا الأسلوب من النظم لا يكون في غير القرآن ، ونظمه المعجز ، الذي يملك بسلطانه التصريف في الكلمات ، كما يملك سبحانه وتعالى بقدرته التصريف في كل شئ . . فلقد تسلط أسلوب الطلب : « لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ » تسلط على الفعلين : أصدق ، وأكون . . جاعلا الفعل الأول مسببا عنه ، وجاعلا الفعل الثاني جوابا له . . والسؤال هنا : ما الحكمة من مجىء النظم في الآية على هذا الأسلوب ؟ ولما ذا لم يجئ الفعلان الواقعان في حيز الطلب ، منصوبين معا ، أو مجزومين معا ؟ وما سر هذه التفرقة بين الفعلين ، فيكون أحدهما مسبّبا ، على حين يكون الآخر جوابا ؟ نقول - واللّه أعلم - : إن هذا الاختلاف بين الفعلين ، هو اختلاف في أحوال النفس ، وتنقلها من حال إلى حال ، في هذا الموقف المشحون بالانفعالات والأزمات . . فالموت حين يحضر هذا الإنسان الذي يدافع الأيام بالتسويف والمماطلة في الرجوع إلى اللّه ، وعمل الصالحات - هذا الموت المطل على هذا الإنسان ، يردّه إلى صوابه ، ويوقظه من غفلته ، ولكن ذلك يكون بعد فوات الأوان ، وقد بلغت الروح الحلقوم ، فلا يجد هذا الإنسان بين يديه إلا الأمانىّ ، وإلا الرجاء فيقول : « رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ ! » . . إن ذلك هو أقصى أمانيه ، وهو غاية مطلوبه . . ثم يخيل إليه من لهفته ، وشدة حرصه على هذا المطلوب ، أنه - وقد تمناه - أصبح دانيا قريبا ، وأنه قد استجيب له فعلا ، وأن يد الموت قد تراخت عنه قليلا إلى أجل . . وهنا ينطلق مع هذا الأمل فرحا مستبشرا . . إنه الآن يستطيع أن يتصدق . . وإنه إن يتصدق يكن من الصالحين ، الذين يفوزون برضا اللّه ورضوانه . . ولهذا يخرج من باب الأمانىّ ، ليدخل في باب